محمد بن جرير الطبري
217
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
عند الله ، وتفرغ بدنه لطاعة الله ، وان كثره ذكر الموت يخيف العبد من ربه حتى يجار اليه ، ويستكين له ، وان فراق الفاسقين حق على المؤمنين ، قال الله في كتابه : « وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ . » وان حب المؤمنين للسبب الذي تنال به كرامة الله ورحمته وجنته ، جعلنا الله وإياكم من الصادقين الصابرين الا ان من نعمه الله على المؤمنين ان بعث فيهم رسولا من أنفسهم ، فعلمهم الكتاب والحكمة وزكاهم وطهرهم ووفقهم في دينهم ، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما ، حتى قبضه الله ، صلوات الله عليه ، ثم ولى الأمر من بعده التقى الصديق على الرضا من المسلمين ، فاقتدى بهديه ، واستن بسنته ، حتى لحق بالله - رحمه الله - واستخلف عمر ، فولاه الله امر هذه الرعية ، فعمل بكتاب الله ، وأحيا سنه رسول الله ، ولم يحنق في الحق على جرته ، ولم يخف في الله لومه لائم ، حتى لحق به رحمة الله عليه ، وولى المسلمين من بعده عثمان ، فاستاثر بالفيء ، وعطل الحدود ، وجار في الحكم ، واستذل المؤمن ، وعزز المجرم ، فسار اليه المسلمون فقتلوه ، فبرئ الله منه ورسوله وصالح المؤمنين ، وولى امر الناس من بعده علي بن أبي طالب ، فلم ينشب ان حكم في امر الله الرجال ، وشك في أهل الضلال ، وركن وادهن ، فنحن من على وأشياعه براء ، فتيسروا رحمكم الله لجهاد هذه الأحزاب المتحزبه ، وأئمة الضلال الظلمة وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء ، واللحاق بإخواننا المؤمنين الموقنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة ، وأنفقوا أموالهم التماس رضوان الله في العاقبة ، ولا تجزعوا من القتل في الله ، فان القتل أيسر من الموت ، والموت نازل بكم غير ما ترجم الظنون ، فمفرق بينكم وبين آبائكم وأبنائكم ، وحلائلكم ودنياكم ، وان اشتد لذلك كرهكم وجزعكم الا فبيعوا الله أنفسكم